2012/02/07
2012/02/05
شباب ساحة التحرير يوقدون شمعة الوفاء للراحل عماد الأخرس



صباح الخير دجلة، ها نحن مجددا في حضرتك، نزف لك القرابين، جئناك بعماد لنعمده بكل الاديان التي مرت على شاطئيك، لفيه باجنحتك، فهو طائر اشنونا الانيق، ادخليه على عشتار كي يفتح لنا بوابة الاساطير.
هكذا انطلقت جلسة الوفاء والتأبين للكاتب والصحفي الراحل عماد الاخرس، والتي دعا اليها شباب ساحة التحرير صباح الجمعة 3 شباط 2012 على ضفاف دجلة جوار تمثال المتنبي.
انطلقت الجلسة باستعراض جزء من سيرة حياة الراحل عماد الاخرس والوقوف دقيقة صمت له، بعدها قرأ الشاعر والكاتب عدنان الفضلي مقاله المنشور في صحيفتي "البينة الجديدة" و"طريق الشعب" والمعنون: (عماد.. لماذا اصبحت صديقي؟) والذي يقول فيه: (عماد الأخرس لمن لا يعرفه، اقول: كان أصدق من جميع السياسيين في حبه للعراق والعراقيين، يحمل بداخله انسانية لو وزعت على اعضاء البرلمان لخدموا الوطن بعيونهم، فهو وفيّ لوطنه حد العشق، وهو قلم شجاع لو اطلع ساستنا على حروفه المضيئة لتعلموا معنى ان تكون عراقياً اصيلاً، فقد عاد من غربته المضنية ليساهم في بناء وطنه بعد ان زال الدكتاتور البعثي، عاد الى بعقوبته البرتقالية ليتعطّر بها ويشمّ اريج بساتينها، دون ان يعلم انه عاد لتقتله عراقيته وأصالته).
ثم قرأ صديقه كاظم الكعبي كلمة عبر فيها عن أساه لغياب الاخرس وعدّه بالأليم والخسارة.
ليصدح الشاعر المبدع ابراهيم الخياط بقصيدة أبهرت النهر والحضور ومنها:
يا قامة الله
أيها الداخلُ في شاشات المقاهي
أيها الخارجُ من خلف الستارة
أيها المخبوءُ فينا
أيها المنفي فينا
أيها السّر ـ البشارة
أيها الجمرُ
النجيعُ
العجيبُ
البعيدُ
المدارُ
الحمامُ
الرحيقُ
النبيّ
الغريّ
القتيلُ
والقاتلون وزارة
بعدها تحدث التربوي المعروف عبد الكريم جعفر عن الاخرس وعن علاقته بابناء محافظته ديالى التي وصفها بالنزيهة والصادقة، لتختتم الجلسة النوعية بالشكر والامتنان لمن حضر وتضامن مع شباب ساحة التحرير.
2012/02/02
ابراهيم الخياط.. أو حشد الألفاظ الانيقة

سلام كاظم فرج
انني لا استطيع أن انطلق وأنا أقرا (البساتين الصديقة) لإبراهيم الخياط من فروض فنية مسبقة أو فروض نقدية مسبقة فقد تركت روح الناقد تتذوق صور القصيدة ومفرداتها لتهمس لي انك إزاء شعر متفرد ومفتقد.. فرغم إن المطابع تفرز كل يوم عشرات القصائد فالشعر قليل، كيف نتلمس الطريق إليه ؟.. تلك إشكالية يعاني منها متذوقو الشعر .
ما شدّني إلى القصيدة – وهنا أجد نفسي واقعا على الرغم مني في ذيول المنهج الانطباعي – صورها المبهرة ومفرداتها الأنيقة فمفردة البساتين توحي وفق منهج التحليل النفسي بالبرتقال والليمون والنخيل والثمار اليانعة. والبساتين توحي وفق بعقوبة بالقداح. والبساتين كما أوحت القصيدة تضم المناضلين والشعراء والمخبرين.
)البساتين
ليمون وانين
ملاذ الساسة والعشاق والكلاب
البساتين
بلا سقوف تنوء بكل الأسرار(
يقتنص الشاعر مفارقة يفهمها من أدمن ارتياد تلك البساتين عاشقا أو مناضلا فرغم إنها بلا سقوف فإنها تحتفظ بأسرار.. أية أسرار.. (والدار لو حدثت ذات أخبار).. وكم تمنيت وأنا أرود منتشيا بأبيات القصيدة لو استبدل الشاعر مفردة الساسة فهي كبيرة على أولئك الفتية الطيبين، فالساسة هم رجال الدولة وكبار السياسيين بينما بساتين إبراهيم الخياط ما ضمت سوى العشاق المعمدين بحب الناس والجمال وما ضمت سوى الحالمين بوطن حرّ خال من (الساسة/التجار). وإبراهيم الخياط في هذه القصيدة يهرب من القافية رغم إنها تواتيه:
(البساتين ملاذ الساسة والعشاق والكلاب)
كان بإمكانه أن يقول والمخبرين. ولعلنا نعذره فالقافية باتت لعنة الحداثويين!
(ذات حرب
غفوت تحت شرفة الحدود .......)
للخياط ومجايليه فضل ابتكار تلك الأحبولة الجميلة المتمثلة بإيراد اسم مفرد بديلا عن ظرف الزمان.. ذات حرب.. ذات خيانة.. ذات شظية، وإذ نسجل تلك السابقة للخياط وصحبه من الشعراء فإننا نراها تعكس مرارة الواقع وقسوته وتشظيه.
إن كمية الألفاظ الأنيقة التي حوتها القصيدة والصور المكتظة بالرموز المركبة تضع المتلقي تحت وطأة إحساس بهيج بألوان قوس قزح من التداعيات رغم تراجيديا الثيمة أو الثيمات التي حفلت بها القصيدة:
(البساتين
لا تنام
ولا تموت
كما أنت - ياكفأها -
لاتنام ولا تموت
فأمامك البرمودا العظيمة
وعلى قفاك فوهة الأسفار المدنية
وبين يديك
ينحني هرم رملي من الأهوال..
فيا نؤوم المسامير
متى تنام؟
ويا مريد الردى..)
تلك موسيقى يعرفها من قاسى أهوال السواتر الأمامية، ويفهمها من قضمت الحروب ربيع أيامه:
(لأنك من نصف ألف تحرس هودجا
مافيه تاج ولا أميرة)
هي أبيات تجعلك تتواضع حيالها فلا تملك سوى إطرائها:
(سأنبيك التأويل المجيد
وإياك أن تقصصه من مآذن
القصيدة على الرابضين
في تكايا الحدود
لأنهم لا يلقونك بالجب
بل يهيلونها عليك
وعلى آلك وأصحابك..)
في هذه الخاتمة، الضربة، نتلمس المأزق الإنساني الذي وضع فيه الأحرار والشعراء والعشاق فان التماهي مع القصص القرآني أو التوراتي وإعطاءه بعدا معاصرا ثم إدخال مفردات مبتكرة مدهشة: مآذن القصيدة/تكايا الحدود/السماء الملبدة بالضيوم/إحتفر دكنة لقطاتك/أوقد نارا للشاي الأنيس/ياصدى مهجورا/الحدود الغيد/مريد الردى..
كل تلك الصور والتراكيب تنبيك أنك أمام شاعر يمسك بزمام اللغة الشعرية آخذا بناصية الحداثة دون أن يتخلى عن جذوره التي تغور عميقا في الواقعية الاجتماعية وذلك حسبه.. ولعمري أن ذلك يكفينا.. (ربّنا اعطنا شعر كفافنا)..!!
2012/01/17
2011/12/25
حدث في مثل هذا اليوم

فى مثل هذا اليوم 25 / 12 / 1642 ولد إسحاق نيوتن عالم إنجليزي، كيميائي، وفيلسوف. قدّم نيوتن ورقة علمية وصف فيها قوة الجاذبية الكونية ومهد الطريق لعلم الميكانيكا الكلاسيكية عن طريق قوانين الحركة. يشارك نيوتن ليبنيز الحق في تطوير علم الحسبان التفاضلي والمتفرع من الرياضيات.
نيوتن كان الأول في برهنة أن الحركة الأرضية وحركة الأجرام السماوية تُحكم من قبل القوانين الطبيعية ويرتبط إسم العالم نيوتن بالثورة العلمية. يرجع الفضل لنيوتن بتزويد القوانين الرياضية لأثبات نظريات كيبلر والمتعلقة بحركة الكواكب.
قام بالتوسع في إثباتاته وتطرّق إلى ان مدار المذنّبات ليس بالضرورة بيضاوي! ويرجع الفضل لنيوتن في إثباته ان الضوء الأبيض هو مزيج من أضواء متعددة وأن الضوء يتكون من جسيمات صغيرة.
"كل ما احتاجه لصناعة كوميديا: متنزه وشرطي وفتاة جميلة"

كثيرة هي المقولات التي اطلقها الفلاسفة والمفكرون، في أوقات متعددة، وجميعها تتبارى لتكون بحجم شارلي شابلن وان لم تكن عنه. فهذا الرائع الذي انشد له الجمهور الشاسع في أرجاء العالم كان عنوانا لهم في كل ما انجز من أعمال سينمائية. فهو قدّم الحياة الصعبة والمتعبة بطريقة كوميدية آسرة، تتحرك فيها خاصيته الفكاهية على محاور متعددة .. واستطاع أن يصنع من حركاته اسلوبا نقديا فريدا للأوضاع التي تعيشها الطبقات الفقيرة. وليس صدفة ان فلمه السينمائي "العصر الحديث" اعتبر أول صرخة دفاعا عن البيئة.
عرف شابلن ببدلته المتميزة وعصاه وحذائه الكبير، وكان يمثل حياة الصعلوك ذي الأخلاق، فبقيت متلازمته حاضرة في كل أعماله: "ملابس وكرامة، رجل شهم".
ثلاثة عقود ونيف على رحيله والى يومنا هذا وأعماله تشارك في اكبر المحافل السينمائية، فضلا عن أنها تدرس في اعرق الجامعات.
(الرؤية بعيني طفل هي الميزة التي ينفرد بها شابلن)
المخرج السوفيتي الكبير "سيرجي ايزنشتاين"
(المضحك الامريكي الذي كان منذ ما قبل 1940 في حالة انحطاط كلي، لم يعد يؤلف مدرسة، ولم ينج من الانحطاط سوى الممثل العنيد شارلي شابلن )
الناقد والمؤرخ السينمائي الفرنسي"جورج سادول"
2011/10/11
"البجعة السوداء".. تحفة سينمائية تنهض على قدمي التمثيل والكاميرا

بقلم: يارا بدر
نهض فيلم "البجعة السوداء- Black Swan" من تحت وطأة أفلام الأكشن ثلاثيّة الأبعاد ونظيراتها من أفلام الأنيميشن التي احتلت شباك التذاكر الأمريكي للعام 2010، وابتدأ مسيرته مع افتتاحه مهرجان "فينيسا" لينتقل بعدها إلى أكثر من مهرجان، وينتهي بفوز بطلته "ناتالي بورمان" بجائزة "الغولدن غلوب" في أمريكا وأربع ترشيحات لجائزة "الأوسكار"، أهمها أفضل مخرج، وأفضل ممثلة، وأفضل تصوير. وفي هذا الصدد قد تكون مُفاجأة "الأوسكار" الوحيدة لهذا العام إن لم تخرج "ناتالي بورتمان" بالجائزة بين يديها.
تقدّم "بورتمان" اليوم للقيّمين على الجائزة تجسيداً واقعياً لكافّة توجّهاتهم التي يمكن ملاحظتها من مراجعة آلية عمل أكاديمية العلوم السينمائية الأمريكية عبر تاريخها الطويل، آليّة لم تستطع التحرّر من قيود الأهواء السياسية وإن أتت على حساب القيم الفنية. وتتعددّ الأمثلة : من فوز "التايتنك" وتقنياته السمعية- البصرية على "المصارع" صاحب الأفكار الإنسانية وقراءته السياسية التي تمتد بسهولة إلى أيامنا المعاصرة، وصولاً إلى إبعاد "ليلة طيبة وحظاً سعيداً" للممثل والمخرج "جورج كلوني" بأناقة البساط الأحمر، حيث حضر الفيلم مُرشحاً وخرج خالي الوفاض، مع ما يُشبه التعتيم الإعلامي، وليس انتهاءً بوهب "أوسكار" أفضل ممثلة في العام الماضي 2010 للممثلة "ساندرا بولك" وفيلمها "البُعد الآخر" الذي يطرح مجموعة أسئلة سياسية وفنية.
اليوم وفي مستوى اختيار الممثلة نجد الحكاية معاكسة تماماً لسيناريو 2010، فهنا ممثلة منذ كانت في الثالثة عشرة، ممثلة بقائمة طويلة من الترشيحات والجوائز، ممثلة ليست نجمة "شباك تذاكر" وإنمّا صاحبة مسيرة من الاختيارات الإشكالية في مستوى طروحات الأفلام السياسية، لكنها اليوم تخطو بفيلم قوامه الرئيسي الطرح الفني الجريء والنوعي وليس أي شيء آخر، الأمر الذي أوقف "بورتمان" كما "كلوني" من قبلها عند حدود الترشيح، لكن فيلم اليوم يُمكن القيّمين على الجائزة من التصالح مع "بورتمان"، خاصة إذا ما نظرنا إلى كونها إسرائيلية المولد- أمريكية الجنسية، النقطة التي قد تحسب لها، مقابل نقاط أخرى تحسب على آخرين، والأهم أنّ أداءها المتميّز جدّاً نجح في نقل الفيلم من فيلم جيد، إلى مصافّ أفضل الأفلام للعام 2011. علماً أنه ليس أداءً لم تقدّم "بورتمان" مثله من قبل، حيث سبق أن شاهدناها في فيلم "V For VENDETTA"، وفي أداءٍ يُقارب في سويّته أداءها اليوم، لكن الاعتراف بقدراتها كممثلة اليوم في فيلم يبتعد عن ضباب السياسة هو توازن لطالما حاولت الأكاديمية اعتماده بهدف الحفاظ على قيمتها الاسمية كجائزة للعلوم الفنية وليس السياسية.
يُمثّل فيلم "البجعة السوداء" تأكيداً على مقولتين هامتين طرحتهما مدارس النقد الأدبي والفني منذ زمن طويل. الأولى أنّ أفضل الأعمال تنهض من أبسط الأفكار وأكثرها حضوراً في حياة الإنسان، والثانية أنّ الكيفيّة التي نقول بها أفكارنا قد تجعلنا نعيد النظر في الأفكار ذاتها، وذلك عبر سحبها من سياقٍ دلالي ومعرفي، إلى سياقٍ آخر. فالفيلم يشتغل على حكاية كلاسيكية قديمة، قدّمها عام 1887المؤلف الموسيقي الروسي "تشايكوفسكي" (1840 – 1893)، وتتابع العمل عليها فشاهدناها أفلاماً سينمائية، وأعمالاً مسرحية، وصولاً إلى أفلام "ديزني". أنه باليه الأميرة الجميلة التي لعنها الساحر الشرير وقيدها بجسد بجعة لن يكون فكاكها منه إلاّ إن قبلها الأمير الوسيم.
اليوم وبعد أكثر من مئة وعشرين عاماً على تقديم باليه "البجعة السوداء"، يُعيد كل مارك هيمان وأندريه هاينز وجون. ج. مكلافن الذين كتبوا سيناريو الفيلم ومخرجه "دارين أرونوفسكي" تشكيل مفاصل الحكاية، بإزاحة الثقل الفني من حيّزه الموسيقي إلى مجاله البصري- الأدائي، وكذلك بنقل الصراع، من صراع مع الآخر، من مواجهة مباشرة بين الخير والشر، إلى صراع مع الذات التي تضم كلا الوجهين للحياة، الخير والشر.
يتمّ التعريف بالحكاية في الفيلم على لسان مخرج العرض "توماس لوري- فينسنت كاسيل" في حديثه إلى راقصاته على أنها: "عذراء نقيه وجميلة، سجينة جسد بجعة، وترغب في التحرّر.. الحبّ الحقيقيّ فقط هو الذي سينهي السحر، وكادت أمنيتها تتحقّق مُجسّدةً في أمير، لكن وقبل أن يُعلن حبّه لها، تقوم توأمتها الشهوانية وهي البجعة السوداء بخداعه وغوايته. تقفز البجعة البيضاء من أعلى قمة تل، وتقتل نفسها، ومع الموت، تجد الحُريّة".
بهذه المُباشرة تتكشّف أحداث الحكاية منذ اللقطات الأولى لمن يهتمّ بهذا المستوى، وينتهي خطّ التشويق السطحيّ هذا مع اختيار "نينا سيرز- ناتالي بورتمان" لتلعب دور البجعتين معاً. إلا أنّ هذه النهاية لخط ّ التشويق الكلاسيكي، ليست سوى نقطة الانفلات وبدء الغوص النفسي المدروس والمتوالي في الذات الإنسانية حتى في أكثر حناياها ظلمةً. إذ نتعرّف إلى "نينا سيرز" الراقصة الطموحة والمجتهدة والمحافظة دوماً، نتعرّف إلى الفتاة التي تعاملها والدتها- راقصة الباليه سابقاً- كفتاة صغيرة تنفّذ كل ما يُطلب منها، نتعرّف إلى الفتاة التي لم تغدُ امرأةً بعد، الراقصة التي تبحث عن "الكمال".
"الكمال" في رؤية المخرج "دارين أرونوفسكي" الفنية هو معنىً مُتضمّن في الحرّية، يتجسّد في لحظة انعتاق. والفيلم ليس أكثر من كاميرا تصوّر سيرورة إنسانيّة بكل مُتطلباتها وشروطها، ولا أعتقد أنّ رقص الباليه شكّل أكثر من غطاءٍ خارجي بصريٍّ لهذه السيرورة، فكما أنّ كل راقص باليه يقسو على جسده في التدريب المتواصل والشاقّ والذي لا يكاد يُقابله أجر مادّي من أجل لحظة وقوفه على الخشبة، فإنّ لكلّ إنسان هدفا، يبذل كل طاقاته الجسدية والنفسية والفكرية من أجل غاية واحدة، هي لحظة تمثّل هذا الهدف من مستوى الحلم المُشتهى إلى مستوى الواقع. وهو حال "ناتالي بورتمان" إن خرجت بجائزة "الأوسكار" بعد سنوات عملها التمثيلي الطويلة، وبعد أكثر من عشرة أشهر تدريب على دور راقصة الباليه "نينا سيرز"، والذي كلفها إرهاقاً نفسياً وجسدياً وضلعاً مكسوراً وإصابات أخرى.
ساحة الفعل هي ذات "نينا سيرز" التي تعيش سيرورتها من البجعة البيضاء إلى البجعة السوداء في إطار إصرارها على أنها راقصة ممتازة وقادرة على تأدية الدورين معاً بخلاف انتقاد مخرج العرض الدائم لها. أمّا ساحة الحدث فهي محيط هذه الراقصة المهني مُتمثلاً بالراقصة البديلة "ليلي- ميلا كونيس" التي تتجسّد فيها كل الصفات المطلوبة من البجعة السوداء، فتشكّل مصدر منافسة قويّا على الدور كما على فكرة الكمال والحرفيّة التي تستحوذ على فكر "نينا" حتى تغدو هاجساً. ومن جهة أخرى محيطها الشخصي ممثلاً بوالدتها "ميكا- باربرا هيرشاي" التي تُقيدها في رؤية واحدة، وهي أنّ هذه الراقصة هي أوّلاً وأخيراً فتاتها الصغيرة التي ضحّت من أجلها بحلمها في متابعة مشوارها كراقصة الباليه، وتحوّلت إلى أمّ لها. فإن كبرت هذه الصغيرة على حاجتها إلى أمها، لم يعد هناك من شكل وجود آخر لهذه الأمّ.
بصرّياً شكّلت "ناتالي بورتمان" بوجهها، وجسدها، وصوتها، مساحة التصوير لهذه السيرورة وصراعاتها النفسية، في أداء متوازن وقوي ومشدود إلى درجة الإبهار، فهي تخلق تفاصيل البجعتين بذات الدقة والمهارة في التجسيد. هناك دوماً الفتاة التي يكتسي وجهها اللا تعبير في حضرة الآخرين، الفتاة ذات الصوت الهادئ الذي المُوحي بالانكسار، المُنعزلة عن المجموعة وأحاديثها، وكما يمر صوتها الضعيف كالهمس تعبر هي حتى نكاد لا نشعر بحضورها بين جمع الراقصات أثناء التدريب، أو حفل الإعلان عن العرض القادم لفرقة الباليه التي تعمل معها. لكنها أيضاً الفتاة المتوترة، التي تجرح نفسها، التي تبدأ اكتشاف ذاتها أثناء محاولتها إتقان دور البجعة السوداء، وتعيش تحوّلها من فتاة صغيرة إلى امرأة تعرف جسدها وتعيش رغباتها وأنوثتها، وتمرّدها على والدتها.
تمرّدها العنيف على والدتها يُطابق ردّ فعلها حين قبلها مديرها "توماس". فتلك الهامشيّة التي تمثّل البجعة البيضاء بكل صفائها وهدوئها وحزنها قادرة على العضّ وإسالة الدماء، قادرة على إطلاق العنف والقسوة من داخلها، وكأنّ هذا الداخل كائنٌ يتوق إلى الانطلاق ولكنه غير قادرٍ بعد على الفكاك من لجامه، وحيث أنّ "نينا" غير قادرة على تلمّسه في داخلها فهو يأخذ شكل "ليلي" بالنسبة لها. "ليلي" التي تعتقد "نينا" أنّها في قتلها لها قد انتصرت لذاتها، لكنّ ما تكتشفه "نينا" في النهاية أنّها قتلت المنافسة الفعليّة التي أمامها ألا وهي تقيّدها بمواصفات البجعة البيضاء، لتتحرّر من كل ثقل والدتها، وكل جماليات صورتها القديمة كفتاة صغيرة مُطيعة دوماً، وتصل إلى "الكمال" في رقصتها، وفي نفسِها كذات حاضرة نشعر بثقل حضورها هذا وهي تعبر في الكواليس قرب الراقصين معها يوم الافتتاح، حيث تملأ "نينا سيرز- ناتالي بورتمان" فضاء المكان ويتهمّش حضور الآخرين، وتصل إلى "الكمال" حتى في أنوثتها وذاتها كامرأة، عندما تندفع بقوة وانفعال صادق لتقبّل "توماس" دون ارتباك أو ضعف أو مراجعة لقرارها النابع من رغبتها الفعليّة.
تتأتّى الحرفيّة ليس فقط من أداء "ناتالي بورتمان" الدقيق والقويّ، بل كذلك من تكامل هذا الأداء مع رؤية إخراجية واضحة، تدرك غايتها، ألا وهي سحبنا كمشاهدين إلى ساحة الفعل في داخل "نينا سيرز"، كاميرا تأخذ دور عقل "نينا"، وكل ما نراه هو الكيفيّة التي ترى بها البجعة البيضاء الأمور من حولها، وهنا ننوّه باختيار المخرج للممثلة "وينونا رايدر" لأداء دور الراقصة السابقة "بيث ما كنتاير"، التي ترى "نينا" في سقوطها النهاية المُنتظرَة إن لم تستغل فرصتها في هذه الباليه لإثبات قدرتها على أن تكون "كاملة"، كما ننوّه بأداء "رايدر" وإن اقتصر على بضع مشاهد.
أن نشاهد الأمور من منظار البجعة البيضاء العقلاني، وما يُعانيه هذا العقل إثر الضغط النفسي الكبير الذي تعيشه الشخصية، وأفعالها التي تنحو إلى ممارسات مرضى "الاستحواذ القهري" أمر ألقى بالمشاهدين في هوّة الالتباس أكثر من مرّة، ومن يتابع الفيلم عليه التخلّي عن قراءاته العقلانية المُسبقة ويقبل محاكمة الأمور بصفته عقل "نينا سيرز". فقتلها للراقصة السابقة "بيث ماكنتاير" في المستشفى هو قتل مُتخيّل للفكرة التي مثلتها "بيث" في تلك اللحظة، حين قالت أنها "غير كاملة"، قتل لصورة الراقصة المُنهارة ذات الساق المُحطمة، هنا تقتل "نينا" في ذهنها هذه الفكرة، هي لن تكون هكذا أبداً. كذلك هو فعل قتلها لمنافستها "ليلي" ومشاهدتها الدماء ومحاولة إخفائها، فهي لم تشعر بالألم نتيجة طعنها نفسها بقطعة المرآة المكسورة لأنّ الحالة النفسية والذهنية التي عاشتها استحوذت عليها بالكامل، كمُغيّبٍ في دائرةٍ من النشوة المُطلقَة، وإلاّ لكان من غير المنطقيّ الطريقة الرائعة التي رقصت بها "نينا سيرز" وحلّقت بدور البجعة السوداء في العرض، ولم يكن في الإمكان فهم ريش البجعة الذي اكتسى جسدها ولا تحوّل يديها إلى جناحين، كل هذا يمكن إدراكه في مستوى الرمز، باعتباره صورة لإحساس "نينا سيرز" الداخلي وانعكاسا لإدراكها العقلي والشعوري له.
إلاّ أنّ الفيلم وقع في مطبّ الالتباس من حيث السيناريو، وتحديداً في شخصيّة الأم، التي لا نراها أو نسمعها سوى في حضور "نينا" إلى جانبها، وبالتالي نكاد نشتبه في حقيقة وجودها أو كونها وهماً من نسيج عقل "نينا" المُضطرب، علماً أنّ هذه الشخصية كان يجب أن تكون مستقلّة تماماً، وذات حضور لا يرتبط برؤية "نينا" له أو كيفيّة إدراكه، بقدر ما هو مُنفصل بذاته ومؤثّر في "نينا"، حضور مُستقل تمامً كحضور "توماس لوري"، وليس مُشابهاً لحضور "ليلي".
نتابع عبر ساعة وخمسين دقيقة صراعاً من أجل "الكمال" في تواتر بصريّ يحمل قدراً كبيراً من الضغط النفسيّ المستمرّ والمتتابع حتى لحظة التحرّر، صراع لا ينتهي بانتصار إحدى الذاتين، وإنما ينتصر في تحقّق لحظة "الكمال" هذه. بتكلفة قاربت 13 مليون دولار يرسم ""دارين أرونوفسكي" لوحة تعبيريّة لدراما نفسية مُعقدة، يربط فيها إمكانية إدراك المحيط الخارجي بتبدّلات الشعور الداخلي، مُذكراً بأفلام لم تحتج إلى الإبهار البصري المبنيّ وفق أحدث ما وصلت إليه تقنيات التكنولوجيا الحديثة، مُعيداً إلى الواجهة الفنية الذات الإنسانية بكلّ عظمتها وتناقضاتها وجمالياتها، بكل قسوتها وضعفها، مُذكراً كذلك بجماليات سحر الكاميرا التي تحرّر الصورة من قيود اللغة، من وطأة الحكاية وأحداثها. و"ناتالي بورتمان" ممثّلة تُذكّر بالزمن الجميل لـ"فيفيان لي" في "ذهب مع الريح"، و"ميرل ستريب" في "كرمر ضد كرمر" و"جسور بلدة ماديسون"، وأخريّات كُنّ ممثلات خارج مفاهيم مثل "نجمة شباك التذاكر" و"نجمة الإثارة" وسواها.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
